ابن عربي
148
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
روينا من حديث الهاشمي بسنده إلى ابن عباس رضي اللّه عنه ، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أكثر واذكر هازم اللذات ، فإنكم إن ذكرتموه في ضيق وسعه عليكم فرضيتم به فأجرتم ، وإن ذكرتموه في غنى بغّضه إليكم فجدتم به فأثبتم أن ذكر الموت قاطع الآمال ، والليالي مدنيات الآجال ، وإن المرء بين يومين : يوم قد مضى أحصى فيه عمله فختم عليه ، ويوم قد بقي لا يدري لعله لا يصل إليه ، وإن العبد عند خروج نفسه ، وحلول رمسه ، يرى جزاء ما أسلف ، وقلة غناء ما أخلف ، ولعله من باطل جمعه ، ومن حق منعه » . لما قرأنا هذا الحديث على شيخنا الإمام اللغوي الأديب أبي ذرّ مصعب بن محمد بن مسعود الخشني ، ثم الحياني ، قال لنا : هازم اللذات بالمعجمة ، وقال : معناه قاطع ، هكذا رواه لنا . موعظة بعض الصالحين لعبد الملك روينا من حديث ابن مروان ، عن إبراهيم الحربي ، عن الرياشي ، عن الأصمعي ، قال : خطب عبد الملك بن مروان بمكة ، لما حجّ يوما ، فلما صار إلى موضع العظة ، قام إليه رجل فقال : مهلا ، إنكم تأمرون ولا تؤمرون ، وتنهون ولا تنهون ، أفنفتدي بسيرتكم في أنفسكم ، أم نطيع أمركم بألسنتكم ؟ فإن قلتم اقتدوا بسيرتنا ، فأين وكيف وما الحجة ؟ وكيف الاقتداء بسيرة الظلمة ؟ وإن قلتم أطيعوا أمرنا واقبلوا نصحنا ، فكيف ينصح غيره من يغشّ نفسه ؟ وإن قلتم خذوا الحكمة من حيث وجدتموها ، فعلام قلّدناكم أزمّة أمورنا ؟ أما علمتم أن فينا من هو أفصح منكم بفنون العظات ، وأعرف بوجوه اللغات ؟ فتلجلجوا عنها ، وإلا فأطلقوا عقالها يبتدر إليها الذين شردتموهم في البلدان . إن لكل قائم يوما لا يعدوه ، وكتابا بعده يتلوه ، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ . روينا من حديث ابن الخطاب ، قال : قال محمد بن أحمد بن عمر الزيبقي ، ثنا محمد بن سليمان الفرار ، عن أبي بكر الحنفي ، عن بكر بن مسمار ، قال : سمعت عامر بن سعد بن أبي وقاص قال : كان سعد بن أبي وقاص في إبل وغنم ، فأتاه ابنه عمر ، فلما رآه قال : أعوذ باللّه من شر هذا الراكب . فلما انتهى إليه قال : يا أبت ، أرضيت أن تكون أعرابيا في إبلك وغنمك ، والناس يتنازعون الملك ؟ قال : فضرب سعد صدر عمر بيده وقال : اسكت يا بني ، فإني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « إن اللّه يحب العبد التقي الغني الخفي » . وحدثنا بعض شيوخنا من أهل الأدب والتاريخ ، رحمه اللّه ، في بعض مجالسه ،